عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

220

اللباب في علوم الكتاب

الأول : وعليه الأكثرون : أنّ فائدته إبطال ما كان عليه الجاهليّة من أنهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحرّ من قبيل القاتل ، ففائدة التخصيص زجرهم عن ذلك ، وللقائلين بالقول الأوّل : أن يقولوا : قوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى » يمنع من جواز قتل الحرّ بالعبد ، لأنّ القصاص عبارة عن المساواة ، وقتل الحرّ بالعبد لم يحصل فيه رعاية المساواة ، لأنّه زائد عليه في الشّرف ، وفي أهليّة القضاء ، والإمامة ، والشهادة ؛ فوجب ألّا يشرع ، أقصى ما في الباب أنه ترك العمل بهذا النّصّ في قتل العالم بالجاهل ، والشّريف بالخسيس بالإجماع إلّا أنّه يبقى في غير محلّ الإجماع على الأصل ، ثم إن سلّمنا أنّ قوله « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى . . » يوجب قتل الحر بالعبد ، إلّا أنّا بينّا أنّ قوله : « الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ » يمنع من جواز قتل الحرّ بالعبد ؛ لأنّ هذا خاصّ ، وما قبله عامّ ، والخاصّ مقدّم على العامّ ، ولا سيّما إذا كان الخاصّ متّصلا بالعامّ في اللّفظ ، فإنه يكون بمنزلة الاستثناء ، ولا شكّ في وجوب تقديمه على العامّ . الوجه الثاني من بيان فائدة التّخصيص : نقله محمّد بن جرير ، عن عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - والحسن البصريّ : أنّ هذه الصّور هي التي يكتفي فيها بالقصاص ، وفي باقي الصّور ، أعني : القصاص بين الحرّ والعبد ، وبين الذّكر والأنثى ، لا يكتفي فيها بالقصاص ، بل لا بدّ من التراجع ، إلّا أنّ أكثر المحقّقين زعم أنّ هذا النّقل لم يصحّ عن عليّ - رضي اللّه عنه - وهو أيضا ضعيف عند النّظر لأنّه قد ثبت أنّ الجماعة تقتل بالواحد ، ولا تراجع ، فكذلك يقتل الذّكر بالأنثى ، ولا تراجع . قوله « فَمَنْ عُفِيَ » يجوز في « من » وجهان : أحدهما : أن تكون شرطيّة . والثاني : أن تكون موصولة ، وعلى كلا التقديرين ، فموضعها رفع بالابتداء ؛ وعلى الأوّل : يكون « عفي » في محلّ جزم بالشّرط ؛ وعلى الثّاني : لا محلّ له ، وتكون الفاء واجبة في قوله : « فاتّباع » على الأوّل ، ومحلّها وما بعدها الجزم وجائزة في الثّاني ، ومحلّها وما بعدها الرفع على الخبر ، والظاهر أنّ « من » هو القاتل ، والضمير في « له وأخيه » عائد على « من » و « شيء » هو القائم مقام الفاعل ، والمراد به المصدر ، وبني « عفي » للمفعول ، وإن كان قاصرا ؛ لأن القاصر يتعدّى للمصدر ؛ كقوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ [ الحاقة : 13 ] ، والأخ هو المقتول ، أو وليّ الدم ، وسمّاه أخا للقاتل ؛ استعطافا عليه ، وهذا المصدر القائم مقام الفاعل المراد به الدّم المعفوّ عنه ، و « عفي » يتعدّى إلى الجاني ، وإلى الجناية ب « عن » ؛ تقول : « عفوت عن زيد ، وعفوت عن ذنب زيد » فإذا عدي إليهما معا ، تعدّى إلى الجاني ب « اللام » ، وإلى الجناية ب « عن » ؛ تقول « عفوت لزيد عن ذنبه » ، والآية من هذا الباب ، أي : « فمن عفي له عن جنايته » وقيل : « من » هو وليّ الدم أي من جعل له من دم أخيه بدل الدم ، وهو القصاص ، أو الدّية ،